النويري

143

نهاية الأرب في فنون الأدب

بنا ما صنعتموه بأنفسكم ، فجاء الخادم وطرح عليه ثياب المنادمة ، وجلس يشرب فلما بلغ ثلاثا قال : ليخفّف عنّا ، فإنّه شئ ما شربته قط ، فتهلل وجه جعفر ثم قال له : هل من حاجة تبلغها مقدرتى وتحيط بها نعمتي فأقضيها لك ، مكافأة لما صنعت ؟ قال : إن أمير المؤمنين عليّ غاضب فتسأله الرضى عنّى ، قال : قد رضى عنك أمير المؤمنين ، قال : وعليّ أربعة آلاف دينار ، قال : هي حاضرة من مال أمير المؤمنين ، قال : وابنى إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين ، قال : قد زوّجه أمير المؤمنين ابنته عائشة ، قال : وأحب أن تخفق الألوية على رأسه ، قال : قد ولَّاه أمير المؤمنين مصر ؛ قال إبراهيم بن المهدى : فانصرف عبد الملك ، وأنا أعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين ، فلما كان من الغد وقفنا على باب أمير المؤمنين ، ودخل جعفر فلم يلبث أن دعى بأبى يوسف القاضي ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد الملك ، فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك ، وكتب سجل إبراهيم على مصر ، فأشار إليّ فصرت إلى منزله ، فقال لي : قلبك معلَّق بأمر عبد الملك ، قلت : بلى ، قال : دخلت على أمير المؤمنين فمثلت بين يديه ، وابتدأت القصة من أوّلها إلى آخرها كما كانت ، فجعل يقول أحسن واللَّه ، ثم قال : ما صنعت ؟ فأخبرته بما سأل وبما أجبته ، فجعل يقول في ذلك كله أحسنت أحسنت « 1 » ، وفى هذه الحكاية كفاية عما سواها . ويقال إن عليّة بنت المهدى قالت للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة : ما رأيت لك يا سيدي يوم سرور تام ، منذ قتلت جعفرا ، فلأي شئ قتلته ! ! فقال لها : يا أختاه لو علمت أن قميصى يعلم السبب لحرقته . وأمّا ما آل أمرهم إليه من الضرورة والفاقة والاحتياج والذلة ، فمن ذلك ما حكاه عبد الملك بن عبد اللَّه بن عبدون الحضرمي الإشبيلي في كتابه

--> « 1 » ينقل المؤلف عن ابن خلكان في وفيات الأعيان ج 1 ص 294 ، ص 295 وكمامة الزهر ص 223 - 226 .